محمد طاهر الكردي
121
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
رضاعته صلى اللّه عليه وسلم ومرضعاته لما ولدت آمنة الكريمة ابنها العزيز " محمدا " صلى اللّه عليه وسلم ، أرضعته ثلاثة أيام وقيل سبعة أيام ، ثم أرضعته ثوبية الأسلمية جارية عمه أبي لهب أياما ، ثم قدمت حليمة السعدية بنت أبي ذؤيب عبد اللّه بن الحارث من البادية إلى مكة في نسوة من بني سعد بن بكر يلتمسن الرضعاء ، فكان " محمدا " ذلك الطفل المبارك المنور الأغر الذي صار فيما بعد نبي آخر الزمان وخاتم النبيين صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين ، من نصيب حليمة السعدية السعيدة رضي اللّه تعالى عنها ، فأخذته ، ورحلت به إلى قومها في البادية بجهة الطائف ليكمل رضاعته عندهم ، فمكث الحبيب " محمد " صلى اللّه عليه وسلم في البادية عند حليمة رضي اللّه تعالى عنها خمس سنين ، ثم ردته إلى أمه آمنة بنت وهب وقد أكمل رضاعته واشتد عوده صلى اللّه عليه وسلم كما سيأتي بيان ذلك بالتفصيل ، ولابد أن حليمة كانت تأتي به صلى اللّه عليه وسلم إلى مكة في بعض الأحيان لزيارة أمه آمنة بنت وهب ، حتى يطمئن قلبها وتتمتع برؤيته ، ثم ترجع به بعد أيام إلى منزلها - فلقد كانت عادة عظماء قريش وأشرافهم في ذلك العصر ، أن يدفعوا أولادهم بعد الولادة إلى المراضع القاطنين في البادية ، ليتموا رضاعتهم هنالك ولينشأوا نشأة عربية خالصة ، فإن للبادية تأثيرا عظيما في التربية الجسمانية لطيب الهواء وعذوبة الماء وجودة الغذاء ، كما أن لها تأثيرا أعظم في الفصاحة والبلاغة ، والجود والكرم ، والشهامة والشجاعة ، إلى غير ذلك من مكارم الأخلاق وجوامع الشرف - وما زال العرب الذين لم يختلطوا بمعاشرة أهل المدن ، يحبون عيشة البادية إلى عصرنا الحاضر ، فإنهم يحبون الزراعة وتربية المواشي ، وغالب قوتهم على الدوام التمر واللحم واللبن ، بل إنهم يعتمدون في معيشتهم على التمر واللبن صباحا ومساء ، والميسورون منهم يصنعون الخبز من دقيق الدخن والذرة والحنطة ، ويطبخون الأرز باللحم والسمن ويحبون العسل جدا ، ولا يأكلون الخضار إلا نادرا - والحق يقال أن عيشة البادية بين الرمال والجبال جميلة منعشة نافعة صحية مدهشة ، لكن كما يقال : " لكل امرئ من دهره ما تعودا " . هذا وكانت أم أيمن بركة الحبشية حاضنته صلى اللّه عليه وسلم حتى كبر ، وأم أيمن كانت أمة أبيه عبد اللّه بن عبد المطلب ، فلما مات ورثتها أم النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فلما ماتت أمه صارت